أبو الليث السمرقندي

121

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يعني : على الإيمان وَهُمْ مُهْتَدُونَ يدعوكم إلى التوحيد . فقال له قومه : تبرأت عن ديننا ، واتبعت دين غيرنا . فقال : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي يعني : خلقني . قرأ حمزة وابن عامر في إحدى الروايتين : وَما لِيَ بسكون الياء . وقرأ الباقون : بالفتح . وهما لغتان وكلاهما جائز . ثم قال : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني : تصيرون إليه بعد الموت ، وهذا كقوله : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ آل عمران : 180 ] فقالوا له : ارجع إلى ديننا . فقال حبيب : أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يعني : أعبد من دونه أصناما إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ يعني : ببلاء وشدة إذا فعلت ذلك لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً يعني : لا تقدر الآلهة أن يشفعوا لي وَلا يُنْقِذُونِ يعني : لا يدفعون عني الضرر إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني : إني إذا فعلت ذلك لفي خسران بيّن إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ يعني : فاشهدوني ، وأعينوني بقول لا إله إلا اللّه . وقال ابن عباس : ألقي في البئر وهو الرس كما قال وَأَصْحابَ الرَّسِّ * [ ق : 12 ] وقال قتادة : قتلوه بالحجارة . وهو يقول : رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون . وقال مقاتل : أخذوه ووطئوه ، تحت أقدامهم ، حتى خرجت أمعاؤه ، ثم ألقي في البئر ، وقتلوا الرسل الثلاثة . فلما ذهب بروح حبيب النجار إلى الجنة ف قِيلَ له ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وذلك حين دخلها ، وعاين ما فيها من النعيم ، تمنى أن يسلم قومه فقال : يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي بالذي غفر لي ربي . ويقال : بمغفرتي . ويقال : بما ذا غفر لي ربي ؟ فلو علموا ، لآمنوا بالرسل . ثم قال : وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ أي : الموحدين في الجنة . نصح لهم في حياته ، وبعد وفاته . يقول اللّه تعالى : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ يعني : من بعد حبيب النجار مِنْ جُنْدٍ من السماء ، يعني : الملائكة وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ يعني : لم نبعث إليهم أحدا إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يعني : ما كانت إلا صيحة جبريل - عليه السلام - فَإِذا هُمْ خامِدُونَ يعني : ميتون لا يتحركون يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ يعني : يا ندامة على العباد في الآخرة . يعني : يقولون : يا حسرتنا على ما فعلنا بالأنبياء - عليهم السلام - ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ في الدنيا إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ . ثم خوّف المشركين بمثل عذاب الأمم الخالية ليعتبروا فقال : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا يعني : ألم يعلموا ؟ ويقال : ألم يخبروكم أهلكنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يعني : كم عاقبنا من القرون الماضية أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ إلى الدنيا وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ قرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر ، بتشديد الميم . وقرأ الباقون : بالتخفيف . فمن قرأ بالتشديد